الحلبي

266

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

يهود والرهبان من النصارى ، فلما وجدوا في كتبهم من صفته وصفة زمانه . وأما الكهان من العرب ، فجاءهم به الشياطين فيما تسترق به من السمع ، إذ كانت لا تحجب عن ذلك كما حجبت عند الولادة والمبعث ، وكان الكاهن والكاهنة لا يزال يقع منهما ذكر بعض أموره ، ولا تلقي العرب لذلك بالا حتى بعثه اللّه تعالى ، ووقعت تلك الأمور التي كانوا يذكرونها فعرفوها . وهذا فيه تصريح بأن الملائكة كانت تذكره صلى اللّه عليه وسلم في السماء قبل وجوده . فأما أخبار الأحبار من اليهود فمنها ما تقدم ذكره . ومنها ما جاء عن سلمة بن سلامة وكان من أصحاب بدر قال : كان لنا جار من يهود بني عبد الأشهل ، فذكر أي عند قوم أصحاب أوثان القيامة والبعث والحساب والميزان والجنة والنار ، فقالوا له : ويحك يا فلان ، أو ترى هذا كائنا أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار يجزون فيها بأعمالهم ؟ قال نعم ، والذي يحلف به ، وليودّ أي الشخص أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور يحمونه ثم يدخلونه إياه فيطبقونه عليه ، بأن ينجو من تلك النار غدا ، فقالوا له : ويحك وما آية ذلك ؟ قال : نبيّ يبعث من نحو هذه البلاد ، وأشار بيده إلى مكة واليمن ، قالوا ومن يراه ؟ فنظر إليّ وأنا من أحدثهم سنا ، فقال : إن يستنفد : أي يستكمل هذا الغلام عمره يدركه ، قال سلمة : واللّه ما ذهب الليل والنهار حتى بعث اللّه محمدا صلى اللّه عليه وسلم وهو : أي ذلك اليهودي بين أظهرنا ، فآمنا به وكفر بغيا وحسدا فقلنا له : ويحك يا فلان ، ألست الذي قلت لنا فيه ما قلت ؟ قال : بلى ، ولكن ليس به . ومن ذلك ما جاء عن عمرو بن عنبسة السلمي رضي اللّه تعالى عنه قال : رغبت عن آلهة قومي في الجاهلية : أي ترك عبادتها ، قال : فلقيت رجلا من أهل الكتاب من أهل تيماء : أي وهي قرية بين المدينة والشام فقلت : إني امرؤ ممن يعبد الحجارة ، فينزل الحي ليس معهم إله فيخرج الرجل منهم فيأتي بأربعة أحجار ، فيعين ثلاثة لقذره أي يستنجي بها ، ويجعل أحسنها إلها يعبده ، ثم لعله يجد ما هو أحسن منه شكلا قبل أن يرتحل فيتركه ويأخذ غيره وإذا نزل منزلا سواه ورأى ما هو أحسن منه تركه وأخذ ذلك الأحسن ، فرأيت أنه إله باطل لا ينفع ولا يضر ، فدلني على خير من هذا ، قال : يخرج من مكة رجل يرغب عن آلهة قومه ، ويدعو إلى غيرها . فإذا رأيت ذلك فاتبعه ، فإنه يأتي بأفضل الدين ، فلم يكن لي همة منذ قال لي ذلك إلا مكة ، آتي فأسأل هل حدث حدث ؟ فيقال لا ، ثم قدمت مرة فسألت ، فقيل لي : حدث ، رجل يرغب عن آلهة قومه ويدعو إلى غيرها ، فشددت راحلتي ثم قدمت منزلي الذي كنت أنزله بمكة ، فسألت عنه فوجدته مستخفيا ، ووجدت قريشا عليه أشداء ، فتلطفت له حتى دخلت عليه ، فسألته : أي شيء أنت ؟ قال نبي . قلت : من نبأك ؟ قال اللّه .